وهبة الزحيلي

88

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ولما علّم اللّه المؤمنين أدب الدخول إلى البيوت وصون الأذن والعين من النظر المحرّم ، أكده بما يحملهم على محافظته ، فقال : 4 - وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أي ما صح وما ينبغي لكم أن تكونوا سببا في إيذاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو تفعلوا فعلا يضايقه ويكرهه ، كالمكث في منزله والاشتغال بالحديث ، فكل ما منعتم عنه مؤذ ، فامتنعوا عنه ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم حريص على ما فيه إسعادكم وخيركم في الدنيا والآخرة ، ومن أشد أنواع الأذى ومما هو حرام عليكم أن تتزوجوا أبدا بنسائه بعد مفارقتهن بموت أو طلاق ، تعظيما له ، ولأنهن أمهات المؤمنين ، ولأنه ذنب عظيم كما قال تعالى : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً أي إن إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونكاح أزواجه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير . وفي هذا تعظيم الأمر ، وتشديد فيه وتوعد عليه ، ثم أكد ذلك بالبعد عن الإيذاء في الباطن والظاهر فقال : إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي إن تظهروا شيئا من الأذى أو تكتموه ، فإن اللّه عليم علما تاما دقيقا به ، يعلم ما تكنّه ضمائركم ، وتنطوي عليه سرائركم ، ولا تخفى عليه خافية : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر 40 / 19 ] وهو مجاز كل إنسان بحسب ذلك العلم . ثم استثنى اللّه تعالى من حكم حجاب أزواج النبي على الأجانب المحارم ونساء المؤمنين والأرقاء ، فقال : لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ، وَاتَّقِينَ اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي لا إثم على أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ترك الحجاب أمام آبائهن